Ramadán y el Corán: un camino hacia la piedad
Imam: Mohamed Salmi
Duracion: 19 minutos
“Ramadán y el Corán: un camino hacia la piedad.”
Hermanos creyentes, estamos en la bienvenida del gran mes de Ramadán, que Allah honró con la revelación del Corán, guía para la gente y pruebas claras del camino recto. Su grandeza no radica en cambiar horarios de comida y sueño, ni en muchos platos para el iftar y suhur, sino en ser un tiempo bendito donde descendió el Libro de Allah. Esto se ve claro en la Noche del Decreto, mejor que mil meses, noche bendita en mes bendito con Libro bendito revelado. Quien busque la bendición verdadera, que se aferre al Corán.
El tiempo se honra con el Corán, como el lugar con La Meca (lugar de revelación), el Profeta Muhammad ﷺ, a quien se le envió, y el ángel Yibril, espíritu fiel que lo trajo. Cadena de bendiciones: Libro bendito en tiempo bendito, en casa bendita, a profeta bendito por ángel bendito. ¿No merece el creyente hacer de Ramadán temporada de Corán con lectura, reflexión y acción? Quien no aumente su lectura, khatma ni reflexión, se priva de la mayor bendición del mes.
Allah tiene sabiduría en su ley. El ayuno busca la taqwá (temor a Allah): “Se os prescribió el ayuno para que alcancéis taqwá”. No es solo fatiga corporal o dejar comida y bebida, sino doma del alma, control de deseos y vigilancia de Allah. La taqwá es luz en el corazón que distingue verdad de falsedad y ayuda a evitar pecados.
Dice el hadiz qudsi: “Toda obra del hijo de Adán es para él, salvo el ayuno, que es para Mí y Yo lo recompenso; es escudo”.
El Profeta ﷺ advirtió: “Quien no deje mentira y acción con ella, no le importa a Allah que abandone comida y bebida”. Ayuno verdadero empieza en lengua y corazón: alejar los ojos del haram, oídos de lo vano, manos de injusticia, pies de pecado.
Para alcanzar la taqwá, cada persona debe tener su parte diaria del Corán y reflexionar sobre ella. En casa, compartir una aleya simple con la familia antes del iftar o tras la oración. En comunidad, fortalecer la unión con iftar colectivos, ayuda a necesitados y visitas a enfermos. Nuestros piadosos antepasados se preparaban meses para Ramadán y el Profeta ﷺ aumentaba su generosidad y recitación del Corán en ese mes.
Ramadán une y despierta a la umma. Mientras en Palestina y Gaza muchos no tienen hogar ni comida, nosotros preparamos mesas. Ellos luchan por sobrevivir; nosotros debemos acompañarlos con du’á constante, sadaqa sincera y educando a nuestros hijos en la solidaridad, no en el lujo ni el olvido.
Nuestra responsabilidad es mejorar la relación con Allah, con la familia y con la comunidad. Que nuestro ayuno, oración y lectura del Corán lleven el peso de la umma. Así, Ramadán forma creyentes comprometidos con la justicia, la libertad y la defensa de los oprimidos.
خطبة: رَمَضَانُ وَالْقُرْآنُ طَرِيقٌ إِلَى التَّقْوَى
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي جَعَلَ لَنَا مِنْ بَيْنِ الْأَزْمِنَةِ زَمَنًا مُبَارَكًا، وَمِنْ بَيْنِ الْكُتُبِ كِتَابًا مُبَارَكًا، وَمِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ أُمَّةً مُبَارَكَةً، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى نِعْمَةِ الْإِيمَانِ، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهُ وَخَاصَّتُهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَنُورًا لِلسَّالِكِينَ، وَحُجَّةً عَلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَصَحْبِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، فَهِيَ وَصِيَّةُ اللَّهِ لِلْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ؛ قَالَ جَلَّ فِي عُلَاهُ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ؛ نَحْنُ فِي ضِيَافَةِ شَهْرٍ عَظِيمٍ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِبُلُوغِهِ، شَهْرٍ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ، لِأَنَّهُ ارْتَبَطَ بِأَعْظَمِ كَلَامٍ، كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَهُ، فَشُرِّفَ الزَّمَانُ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الْحَدَثِ الْجَلِيلِ، أَلَا وَهُوَ نُزُولُ الْقُرْآنِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. فَعَظَمَةُ رَمَضَانَ لَيْسَتْ فِي تَغْيِيرِ مَوَاعِيدِ الطَّعَامِ وَالنَّوْمِ، وَلَا فِي تَعَدُّدِ أَطْبَاقِ الْإِفْطَارِ وَالسُّحُورِ، بَلْ فِي كَوْنِهِ الزَّمَنَ الَّذِي شَرَّفَهُ اللَّهُ بِنُزُولِ كِتَابِهِ الْعَظِيمِ.
وَيَزِيدُ هَذَا الْمَعْنَى وُضُوحًا أَنَّ اللَّهَ رَبَطَ هَذَا الشَّهْرَ بِلَيْلَةٍ مَخْصُوصَةٍ، لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي التَّارِيخِ غَيَّرَتْ وَجْهَ الْبَشَرِيَّةِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وَسَمَّاهَا أَيْضًا ﴿لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. فَهِيَ لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ فِي زَمَنٍ مُبَارَكٍ نَزَلَ فِيهَا كِتَابٌ مُبَارَكٌ؛ فَمَنْ أَرَادَ الْبَرَكَةَ الْحَقِيقِيَّةَ فِي حَيَاتِهِ فَلْيَتَعَلَّقْ بِالْقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ فِي رَمَضَانَ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ؛ كَمَا تَشَرَّفَ الزَّمَانُ بِالْقُرْآنِ، تَشَرَّفَ الْمَكَانُ وَالْإِنْسَانُ وَالْمَلَكُ؛ تَشَرَّفَتْ مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ بِأَنَّهَا مَهْبِطُ الْوَحْيِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾. وَتَشَرَّفَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ هَذَا الْكِتَابُ الْعَظِيمُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وَتَشَرَّفَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ الرُّوحُ الْأَمِينُ الَّذِي نَزَلَ بِالْقُرْآنِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.
فَنَحْنُ أَمَامَ سِلْسِلَةٍ مِنَ الْبَرَكَةِ؛ كِتَابٌ مُبَارَكٌ، فِي زَمَنٍ مُبَارَكٍ، نَزَلَ فِي بَيْتٍ مُبَارَكٍ، عَلَى نَبِيٍّ مُبَارَكٍ، عَنْ طَرِيقِ مَلَكٍ مُبَارَكٍ؛ أَفَلَا يَحِقُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَجْعَلَ رَمَضَانَ مَوْسِمًا لِلْقُرْآنِ قِرَاءَةً وَتَدَبُّرًا وَعَمَلًا؟! مَنْ دَخَلَ رَمَضَانَ وَلَمْ يَزِدْ فِيهِ وِرْدَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَلَا خَتْمَةً وَلَا تَدَبُّرًا، فَقَدْ حَرَمَ نَفْسَهُ مِنْ أَعْظَمِ بَرَكَةِ هَذَا الشَّهْرِ.
عِبَادَ اللَّهِ؛ إِنَّ لِلَّهِ فِي شَرْعِهِ حِكَمًا وَمَقَاصِدَ، فَمَا شَرَعَ عِبَادَةً إِلَّا وَلَهَا غَايَةٌ عَظِيمَةٌ؛ فَالصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَالزَّكَاةُ تُطَهِّرُ النَّفْسَ وَالْمَالَ، وَالْحَجُّ لِشُهُودِ الْمَنَافِعِ، أَمَّا الصِّيَامُ فَالْمَقْصِدُ الْأَعْلَى مِنْهُ: التَّقْوَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فَلَيْسَ الصِّيَامُ تَعَبًا لِلْبَدَنِ فَقَطْ، وَلَا امْتِنَاعًا عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَقَطْ، وَلَكِنَّهُ تَرْوِيضٌ لِلنَّفْسِ، وَتَهْذِيبٌ لِلشَّهْوَةِ، وَتَرْبِيَةٌ عَلَى مُرَاقَبَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا.
التَّقْوَى نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ عَبْدِهِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَيُعِينُهُ عَلَى تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. فَمَنْ لَمْ يَزْدَدْ بَعْدَ رَمَضَانَ بُعْدًا عَنِ الْحَرَامِ، وَحِرْصًا عَلَى الطَّاعَةِ، وَرِقَّةً فِي قَلْبِهِ، فَلْيَسْأَلْ نَفْسَهُ: هَلْ صَامَ الْبَدَنُ فَقَطْ أَمْ صَامَتِ الْجَوَارِحُ وَالْقَلْبُ؟!
وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ يَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ».
وَيَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَذِّرًا: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». الصِّيَامُ الْحَقِيقِيُّ يَبْدَأُ مِنَ اللِّسَانِ قَبْلَ الْمَعِدَةِ، وَمِنَ الْقَلْبِ قَبْلَ الْفَمِ؛ صِيَامُ الْعَيْنِ عَنِ الْحَرَامِ، وَالْأُذُنِ عَنِ اللَّغْوِ، وَالْيَدِ عَنِ الظُّلْمِ، وَالرِّجْلِ عَنْ مَوَاطِنِ الْمَعْصِيَةِ.
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ؛ حَتَّى نُحَقِّقَ مَقْصِدَ التَّقْوَى، لَا بُدَّ مِنْ بَرْنَامَجٍ إِيمَانِيٍّ وَاضِحٍ فِي هَذَا الشَّهْرِ، لَا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الْعِبَادَةِ الْفَرْدِيَّةِ، بَلْ يَتَعَدَّاهَا إِلَى الْأُسْرَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْمُجْتَمَعِ. فَمِنْ جِهَةِ الْفَرْدِ يَكُونُ لَهُ وِرْدٌ ثَابِتٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَلَوْ حِزْبًا أَوْ جُزْءًا فِي الْيَوْمِ، لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ مَهْمَا كَانَتِ الْأَشْغَالُ، مَعَ لَحَظَاتِ تَدَبُّرٍ وَلَوْ لِآيَةٍ وَاحِدَةٍ تُحَرِّكُ الْقَلْبَ وَتُغَيِّرُ السُّلُوكَ. وَمِنْ جِهَةِ الْأُسْرَةِ نَجْعَلُ فِي بُيُوتِنَا مَجْلِسًا يَوْمِيًّا قَصِيرًا بَعْدَ صَلَاةٍ أَوْ قَبْلَ الْإِفْطَارِ، يُقْرَأُ فِيهِ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ تُشْرَحُ آيَةٌ أَوْ مَعَانِي كَلِمَةٍ لِأَبْنَائِنَا بِلُغَةٍ بَسِيطَةٍ، لِيَشْعُرُوا أَنَّ رَمَضَانَ مَدْرَسَةُ قُرْآنٍ لِلْأُسْرَةِ كُلِّهَا، لَا لِلْكِبَارِ وَحْدَهُمْ.
وَكَانَ مِنْ حَالِ السَّلَفِ – رَحِمَهُمُ اللَّهُ – أَنَّهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ رَمَضَانَ، ثُمَّ يَدْعُونَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنْ يَتَقَبَّلَهُ مِنْهُمْ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ؛ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. فَهَكَذَا فَهِمَ السَّلَفُ رَمَضَانَ؛ مَدْرَسَةَ قُرْآنٍ، وَمَيْدَانَ جُودٍ وَعَطَاءٍ، وَمِضْمَارَ سِبَاقٍ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَمِنْ جِهَةِ الْمُجْتَمَعِ، نَجْعَلُ لِرَمَضَانَ نَصِيبًا مِنَ الْخِدْمَةِ وَالتَّكَافُلِ؛ إِفْطَارًا جَمَاعِيًّا، قُفَّةَ رَمَضَانَ، زِيَارَةَ مَرِيضٍ أَوْ مُسِنٍّ أَوْ وَحِيدٍ، مُسَاعَدَةَ مُحْتَاجٍ، إِدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِ مُسْلِمٍ، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ الْخَفِيَّةَ فِي رَمَضَانَ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي مَغْفِرَةٍ وَرِفْعَةٍ لَا نَتَصَوَّرُهَا. وَيَكْفِي فِي فَضْلِ الصَّوْمِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». فَأَيُّ فُرْصَةٍ أَعْظَمُ مِنْ شَهْرٍ يَعِدُنَا فِيهِ رَبُّنَا بِمَغْفِرَةِ مَا قَدْ مَضَى، إِنْ صَدَقْنَا فِي الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ؟!
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ؛ رَمَضَانُ لَيْسَ عِبَادَةً فَرْدِيَّةً مُنْقَطِعَةً عَنْ وَاقِعِ الْأُمَّةِ، بَلْ هُوَ مَوْسِمُ وَحْدَةٍ وَاسْتِنْهَاضٍ وَنُصْرَةٍ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ؛ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، وَيَقُولُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَوَاطِنِ الِابْتِلَاءِ الْيَوْمَ أَرْضَ فِلَسْطِينَ، وَخَاصَّةً أَهْلَنَا فِي غَزَّةَ؛ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ رَمَضَانُ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ بِلَا مَأْوَى يَأْوِيهِمْ، وَلَا غِذَاءَ كَافٍ، وَلَا دَوَاءَ، وَلَا أَمْنَ وَلَا اسْتِقْرَارَ، وَقَدْ تَهَدَّمَتْ بُيُوتُهُمْ، وَتَفَرَّقَتْ أُسَرُهُمْ، وَتَيَتَّمَ أَطْفَالُهُمْ، وَرُمِّلَتْ نِسَاؤُهُمْ، وَحُوصِرُوا فِي قُوتِهِمْ وَدَوَائِهِمْ. نَحْنُ نُفَكِّرُ مَاذَا سَنَضَعُ عَلَى مَائِدَةِ الْإِفْطَارِ، وَهُمْ يُفَكِّرُونَ: هَلْ سَيَجِدُونَ أَصْلًا مَا يُفْطِرُونَ عَلَيْهِ؟ نَحْنُ نَخْتَارُ أَيَّ مَسْجِدٍ نُصَلِّي فِيهِ التَّرَاوِيحَ، وَهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْ مَكَانٍ آمِنٍ لِأَوْلَادِهِمْ مِنَ الْقَصْفِ وَالْبَرْدِ وَالْجُوعِ.
لَا يَكْفِي أَنْ نَحْزَنَ مِنْ أَجْلِهِمْ؛ بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ نَحْمِلَ هَمَّهُمْ فِي دُعَائِنَا وَصَدَقَاتِنَا وَمَوَاقِفِنَا؛ نَجْعَلُ لَهُمْ نَصِيبًا ثَابِتًا مِنْ دُعَاءِ السُّجُودِ، وَمِنْ دُعَاءِ مَا بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَعِنْدَ الْإِفْطَارِ، نَخُصُّهُمْ بِسُؤَالِ اللَّهِ الْفَرَجَ وَالنَّصْرَ وَالرَّحْمَةَ، وَنُخَصِّصُ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا نَسْتَطِيعُهُ لِمَشَارِيعِ الْإِغَاثَةِ الصَّادِقَةِ، وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا، فَرَبُّنَا يَشْكُرُ الْقَلِيلَ مِنَ الْعَمَلِ إِذَا خَرَجَ مِنْ قَلْبٍ مُخْلِصٍ. وَنُرَبِّي أَبْنَاءَنَا عَلَى أَنَّ رَمَضَانَ شَهْرُ نُصْرَةٍ لِلْمَظْلُومِ، لَا شَهْرُ تَرَفٍ وَغَفْلَةٍ وَمُبَاهَاةٍ فِي الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ.
أَيُّهَا الْكِرَامُ مَسْؤُولِيَّتُنَا فِي هَذَا الشَّهْرِ أَنْ نُصْلِحَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهِ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَهْلِنَا، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ نَحْمِلَ هَمَّ أُمَّتِنَا فِي قُلُوبِنَا وَنَحْنُ رُكَّعٌ سُجُودٌ، قَارِئُونَ لِلْقُرْآنِ، قَائِمُونَ بِاللَّيْلِ، صَائِمُونَ بِالنَّهَارِ. إِصْلَاحُ الذَّاتِ، ثُمَّ الْأُسْرَةِ، ثُمَّ الْجَمَاعَةِ وَالْمُجْتَمَعِ؛ هَكَذَا يَبْنِي رَمَضَانُ رِجَالًا وَنِسَاءً يَكُونُونَ عُدَّةً لِمَشَارِيعِ الْعَدْلِ وَالْحُرِّيَّةِ وَنُصْرَةِ الْمُسْتَضْعَفِينَ.
