LOS MESES SAGRADOS Y LA TRADICIÓN DE ALLAH CON LOS OPRESORES
Imam: Mohamed Salmi
Duración: 21 minutos
LOS MESES SAGRADOS Y LA TRADICIÓN DE ALLAH CON LOS OPRESORES
Hermanos, estamos transitando por Dhu al‑Qe‘da, el primero de los cuatro meses sagrados del Islam. Son tiempos de paz y reflexión profunda donde Allah nos exhorta a no ser injustos con nosotros mismos ni con los demás. En este periodo especial, la recompensa por las buenas acciones se multiplica, pero también aumenta la gravedad de nuestras faltas. Es una oportunidad anual para limpiar el corazón y corregir nuestro rumbo.
“Y tu Señor no destruye las ciudades injustamente mientras sus habitantes son reformadores”
(Corán 11:117)
Este tiempo noble nos invita a reflexionar sobre la tiranía global, un sistema de opresión que el Corán describe mediante la historia de Faraón. Este entramado injusto no es cosa del pasado, sino que se manifiesta hoy a través de cuatro pilares que debemos aprender a identificar para no caer en ellos.
Soberbia de quienes se creen superiores, aplastan a los débiles y siembran división.
El dinero usado para corromper, financiar conflictos y destruir valores.
Las mentes que planifican leyes injustas y debilitan a la familia.
Medios y plataformas que invierten la verdad, adormecen la conciencia y normalizan lo corrupto.
“Y a Faraón, Hamán y Qarún. Ciertamente Moisés vino a ellos con las pruebas claras, mas fueron arrogantes en la tierra; y no escaparon”
(Corán 29:39)
«¡Oh Abu Mas’ud! Ciertamente Allah tiene más poder sobre ti del que tú tienes sobre él»
(Muslim)
La enseñanza práctica para este mes sagrado es evitar convertirnos en “pequeños faraones” en nuestra vida cotidiana. No debemos ser injustos con nuestra familia, hijos o empleados. Es tiempo de arrepentirnos, reparar nuestra relación con el Creador y proteger a nuestra familia frente a la manipulación constante del entorno. Quien engrandece los límites sagrados de Allah, asegura lo mejor para su alma.
“Esto es así. Y quien respete las normas sagradas de Allah, mejor para él ante su Señor”
(Corán 22:30)
¡Oh Allah, haznos de quienes engrandecen Tus límites sagrados, protégenos del espíritu de Faraón y concede la victoria a los oprimidos en Palestina y en todo el mundo!
الأَشْهُرُ الْحُرُمُ وَسُنَّةُ اللَّهِ فِي الظَّالِمِينَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الزَّمَانَ مَوَاقِيتَ لِلْعِبَادَةِ، وَفَضَّلَ بَعْضَ الْأَيَّامِ عَلَى بَعْضٍ لِيَزْدَادَ الْمُؤْمِنُ فِيهَا زَادًا لِمَعَادِهِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْمَلِكُ الْعَلَّامُ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَدْرُ التَّمَامِ، وَمِصْبَاحُ الظَّلَامِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْأَبْرَارِ الْكِرَامِ، مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.
خطبتنا بعنوان: الأَشْهُرُ الْحُرُمُ وَسُنَّةُ اللَّهِ فِي الظَّالِمِينَ
فَيَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ الزَّمَانَ يَمْضِي سَرِيعًا، وَالْأَنْفَاسَ مَعْدُودَةٌ، وَالْأَعْمَالَ مَحْفُوظَةٌ. إِنَّنَا الْيَوْمَ نَتَفَيَّأُ ظِلَالَ شَهْرٍ عَظِيمٍ، وَمَوْسِمٍ كَرِيمٍ، هُوَ شَهْرُ “ذِي الْقَعْدَةِ”، أَوَّلُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الْمُتَوَالِيَةِ الَّتِي عَظَّمَ اللَّهُ شَأْنَهَا.
﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة: 36]
إِنَّ هَذَا النِّدَاءَ الرَّبَّانِيَّ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ هَيْبَةً وَجَلَالًا؛ فَالظُّلْمُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لَيْسَ كَالظُّلْمِ فِي غَيْرِهَا، وَالْمَعْصِيَةَ فِيهَا أَعْظَمُ وِزْرًا، كَمَا أَنَّ الطَّاعَةَ فِيهَا أَجْزَلُ أَجْرًا.
إِخْوَةَ الْإِيمَانِ، لَقَدْ كَانَ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ -عَلَى شِرْكِهِمْ- يُعَظِّمُونَ هَذَا الشَّهْرَ، فَيَضَعُونَ السِّلَاحَ، وَيَأْمَنُ النَّاسُ فِيهِ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الْقُعُودِ لِلْعِبَادَةِ أَوْ لِلسَّعْيِ نَحْوَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ.
وَلَقَدْ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِيُؤَكِّدَ هَذِهِ الْحُرْمَةَ، فَقَالَ: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ»
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: ٣١٩٧]
إِنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِالْبَشَرِيَّةِ، لِتَسْكُنَ النُّفُوسُ، وَتَهْدَأَ نِيرَانُ الْفِتَنِ، وَيُرَاجِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا حِسَابَاتِهِ مَعَ رَبِّهِ وَمَعَ الْخَلْقِ.
وَلَكِنَّنَا حِينَمَا نَنْظُرُ فِي وَاقِعِ الْعَالَمِ الْيَوْمَ، نَجِدُ نَمَاذِجَ مِنَ الطُّغْيَانِ الَّتِي لَا تَرْقُبُ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً، وَلَا تَعْرِفُ لِلشُّهُورِ الْحُرُمِ قَدْرًا. إِنَّ هَذَا الطُّغْيَانَ يَتَجَسَّدُ فِي مَنْظُومَةٍ بَيَّنَهَا اللَّهُ لَنَا فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ، لِيُحَذِّرَنَا مِنْ أَنْ نَتَشَبَّهَ بِأَصْحَابِهَا أَوْ نَرْكَنَ إِلَيْهِمْ. وَهَذِهِ الْمَنْظُومَةُ تَقُومُ عَلَى أَرْبَعِ رَكَائِزَ سَوْدَاءَ.
الرَّكِيزَةُ الْأُولَى هِيَ “الْفِرْعَوْنِيَّةُ”
وَهِيَ الِاسْتِبْدَادُ بِالْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ. لَقَدْ نَطَقَ فِرْعَوْنُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ الْعُظْمَى: حَيْثُ قَالَ {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ}، وَسَلَكَ سَبِيلَ الْإِفْسَادِ: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} [الْقَصَصِ: ٤]. هَذِهِ الْعَقْلِيَّةُ الْفِرْعَوْنِيَّةُ تَرَى النَّاسَ عَبِيدًا لَهَا، وَتَرَى الْأَوْطَانَ مَزْرَعَةً خَاصَّةً. وَفِي زَمَانِنَا، نَرَى الْفِرْعَوْنِيَّةَ الْعَالَمِيَّةَ الَّتِي تَبْطِشُ بِالشُّعُوبِ الْمُسْتَضْعَفَةِ، وَتَدْعَمُ الظُّلْمَ الصَّهْيُونِيَّ فِي أَرْضِ فِلَسْطِينَ، وَتَسْعَى لِتَفْكِيكِ كَيَانِ الْأُسْرَةِ عَبْرَ فَرْضِ قِيَمٍ مُشَوَّهَةٍ تَهْدِفُ إِلَى اسْتِعْبَادِ الْإِنْسَانِ بَعِيدًا عَنْ فِطْرَةِ اللَّهِ.
أَمَّا الرَّكِيزَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ “الْقَارُونِيَّةُ”
وَهُوَ طُغْيَانُ الْمَالِ. قَارُونُ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِكُنُوزٍ تَعْجِزُ الْعُصْبَةُ أُولُو الْقُوَّةِ عَنْ حَمْلِ مَفَاتِيحِهَا، لَمْ يَنْسِبِ الْفَضْلَ لِلَّهِ، بَلْ قَالَ: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي} [الْقَصَصِ: ٧٨]. هَذَا الْمَالُ الَّذِي كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ سَبِيلًا لِلْخَيْرِ، صَارَ مِدْفَعًا لِدَعْمِ ظُلْمِ فِرْعَوْنَ. وَالْيَوْمَ، نَرَى الْقَارُونِيَّةَ فِي الشَّرِكَاتِ الْعَابِرَةِ لِلْقَارَّاتِ، وَالْمُؤَسَّسَاتِ الْمَالِيَّةِ الَّتِي تُمَوِّلُ الْحُرُوبَ وَتُخَرِّبُ الِاقْتِصَادَاتِ، وَتَدْفَعُ الْمِلْيَارَاتِ لِنَشْرِ الْأَمْرَاضِ وَالرَّذِيلَةِ وَالْإِفْسَادِ بَيْنَ الشَّبَابِ، لِيَبْقَى النَّاسُ فِي لُهَاثٍ دَائِمٍ خَلْفَ الْمَادَّةِ، نَاسِينَ مَعَالِيَ الرُّوحِ.
ثُمَّ نَأْتِي لِلرَّكِيزَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ “الْهَامَانِيَّةُ”
وَهِيَ الْعَقْلُ الْمُدَبِّرُ وَالْبِيرُوقْرَاطِيَّةُ الْفَاسِدَةُ. هَامَانُ كَانَ وَزِيرَ التَّنْفِيذِ وَبَانِيَ الصُّرُوحِ الَّتِي تُضَلِّلُ الْبَشَرَ. هِيَ عَقْلِيَّةُ الْمُؤَسَّسَاتِ الَّتِي تَصُوغُ الْقَوَانِينَ الْجَائِرَةَ بِغِلَافٍ مِنَ الشَّرْعِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ. هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ فِي الْغُرَفِ الْمُغْلَقَةِ لِيَرْسُمُوا خُطَطًا لِتَغْيِيرِ الْمَنَاهِجِ، وَإِفْسَادِ الْقِيَمِ، وَدَعْمِ الشُّذُوذِ، وَمُحَارَبَةِ الْعَفَافِ، لِيُثَبِّتُوا أَرْكَانَ الطُّغْيَانِ الْعَالَمِيِّ وَيُحْكِمُوا السَّيْطَرَةَ عَلَى عُقُولِ الْأَجْيَالِ.
وَلَا تَكْتَمِلُ هَذِهِ الدَّائِرَةُ إِلَّا بِالرَّكِيزَةِ الرَّابِعَةِ: “السَّحَرَةُ”
وَهُمْ أَدَوَاتُ التَّزْيِيفِ وَالتَّضْلِيلِ. فِي عَهْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانُوا يَسْحَرُونَ أَعْيُنَ النَّاسِ، وَفِي عَصْرِنَا الْحَاضِرِ السَّحَرَةُ هُمْ وَسَائِلُ الْإِعْلَامِ الْمَأْجُورَةُ، وَالْمِنَصَّاتُ الَّتِي تَقْلِبُ الْحَقَائِقَ، فَتَجْعَلُ الظَّالِمَ مَظْلُومًا وَالْمَظْلُومَ ظَالِمًا. إِنَّهُمْ يَسْتَخْدِمُونَ سِحْرَ الصُّورَةِ وَالْكَلِمَةِ وَالذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيَّ لِتَخْدِيرِ الْعُقُولِ، وَتَزْيِينِ الْفَاحِشَةِ، وَتَمْجِيدِ التَّفَاهَةِ، لِيَنْشَغِلَ النَّاسُ بِسَفَاسِفِ الْأُمُورِ عَنْ عَظَائِمِهَا.
إِنَّ خَطَرَ الْمَشْرُوعِ الصَّهْيُونِيِّ لَا يَنْحَصِرُ فِي فِلَسْطِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِكْرِيٌّ وَسِيَاسِيٌّ يَخْتَرِقُ الشُّعُوبَ وَالْعَالَمَ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ قَدَرَاتِ الشُّعُوبِ وَيُغَيِّرَ الْأَسَاسَ الْقِيَمِيَّ لِلْبَشَرِيَّةِ مِنْ بَشَرِيَّةٍ قَائِمَةٍ عَلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ إِلَى بَشَرِيَّةٍ قَائِمَةٍ عَلَى مُسَلَّمَاتٍ دَوَابِّيَّةٍ.
وَبِنَاءً عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحَرْبَ الَّتِي يَقُودُهَا الْمَشْرُوعُ الصَّهْيُونِيُّ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ فِي أَرْضٍ مُحَدَّدَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ حَرْبٌ اسْترَاتِيجِيَّةٌ شَامِلَةٌ. وَبِذَلِكَ فَالتَّصَدِّي لَهُ لَيْسَ مَهَمَّةَ الْفِلَسْطِينِيِّينَ وَحْدَهُمْ، وَإِنَّمَا هِيَ مَهَمَّةُ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَمَهَمَّةُ الْأَحْرَارِ فِي الْعَالَمِ.
﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾ [يونس: 92]
﴿ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ﴾ [العنكبوت: 39]
انْظُرُوا إِلَى قِصَّةِ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامًا لَهُ بِالسَّوْطِ، فَسَمِعَ صَوْتًا مِنْ خَلْفِهِ يَقُولُ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ». فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَقَالَ ﷺ: «أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ»
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ: ١٦٥٩]
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ رِسَالَةَ شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ لَنَا هِيَ الِانْتِبَاهُ مِنْ هَذِهِ الْمَزَالِقِ. فَلَا تَكُنْ يَا أَخِي “فِرْعَوْنًا” صَغِيرًا فِي دَائِرَةِ سُلْطَانِكَ، فَتَظْلِمَ مَنْ تَحْتَ يَدِكَ مِنْ أَهْلٍ أَوْ عُمَّالٍ.
وَكُنْ حَذِرًا مِنَ “الْقَارُونِيَّةِ”؛ فَلَا تَجْعَلِ الْمَالَ إِلَهًا يُعْبَدُ، وَلَا تَأْكُلْ حُقُوقَ الْآخَرِينَ، وَلَا تَبْخَلْ بِمَا آتَاكَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. تَذَكَّرْ أَنَّ قَارُونَ الَّذِي خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ، كَانَتْ نِهَايَتُهُ أَنْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ. فَالْمَالُ ظِلٌّ زَائِلٌ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ الْبَاقِي.
وَإِيَّاكَ وَ “الْهَامَانِيَّةَ”؛ أَيْ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُخَطِّطُ لِلشَّرِّ، أَوْ يُزَيِّنُ لِلْمَسْؤُولِ خَطَأَهُ، أَوْ يَسْعَى بِالْوَشَايَةِ وَتَدْبِيرِ الْمَكِائِدِ لِلنَّاسِ. فَالْمَكْرُ السَّيِّئُ لَا يَحِيقُ إِلَّا بِأَهْلِهِ.
وَاحْذَرْ أَشَدَّ الْحَذَرِ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنَ “السَّحَرَةِ” الَّذِينَ يَنْشُرُونَ الزَّيْفَ. إِنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي تَنْطِقُ بِهَا، أَوْ تَنْشُرُهَا عَبْرَ هَاتِفِكَ دُونَ التَّأَكُّدِ مِنْ صِحَّتِهَا، قَدْ تَهْوِي بِكَ فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، أَوْ تَرْفَعُكَ فِي الْجَنَّةِ دَرَجَاتٍ. كُنْ دَاعِيًا لِلْخَيْرِ، كَاشِفًا لِلْبَاطِلِ، وَلَا تَكُنْ بُوقًا لِلْمُفْسِدِينَ.
أَيُّهَا الْكِرَامُ، إِنَّ تَعْظِيمَ شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ يَقْتَضِي مِنَّا “الْإِصْلَاحَ”؛ إِصْلَاحَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ، وَإِصْلَاحَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ. كَيْفَ نَرْجُو نَصْرَ اللَّهِ تَعَالَى لِأُمَّتِنَا وَنَحْنُ نَظْلِمُ أَنْفُسَنَا بِالْمَعَاصِي؟ كَيْفَ نَدْعُو لِإِخْوَانِنَا فِي فِلَسْطِينَ وَقُلُوبُنَا مَلِيئَةٌ بِالْحِقْدِ وَالتَّبَاغُضِ؟! إِنَّ النَّصْرَ يَبْدَأُ مِنْ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ فِي نُفُوسِنَا.
﴿ ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ [الْحَجِّ: 30]
تَأَمَّلُوا حَالَ الصَّالِحِينَ مِنْ قَبْلِنَا، كَيْفَ كَانُوا يَتَوَرَّعُونَ عَنْ أَدْنَى شُبْهَةِ ظُلْمٍ وَخُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ. كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ صِيَانَةَ اللِّسَانِ عَنِ الْغِيبَةِ، وَصِيَانَةَ الْعَيْنِ عَنِ الْحَرَامِ، وَصِيَانَةَ الْيَدِ عَنِ الْأَذَى، هِيَ الْقُرْبَانُ الْحَقِيقِيُّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَنَحْنُ هُنَا فِي الْغَرْبِ، نَحْمِلُ أَمَانَةً مُضَاعَفَةً؛ أَمَانَةَ تَمْثِيلِ هَذَا الدِّينِ بِأَخْلَاقِنَا. فَكُنْ سَفِيرًا لِلْعَدْلِ، رَحِيمًا بِالْخَلْقِ، بَعِيدًا عَنِ الطُّغْيَانِ بِكُلِّ صُوَرِهِ.
إِنَّ مَا نَرَاهُ مِنْ تَكَالُبِ الْأُمَمِ عَلَى أُمَّتِنَا، وَمَا نُعَانِيهِ مِنْ ضُغُوطٍ لِتَغْيِيرِ هُوِيَّتِنَا، مَا هُوَ إِلَّا صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الصِّرَاعِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. فَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا. تَمَسَّكُوا بِقِيَمِ الْأُسْرَةِ، حَافِظُوا عَلَى أَبْنَائِكُمْ مِنْ سِحْرِ الْمُفْسِدِينَ، وَعَلِّمُوهُمْ أَنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
أَخِيرًا، تَذَكَّرُوا أَنَّ ذَا الْقَعْدَةِ هُوَ بَوَّابَةُ الْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْوُصُولَ إِلَى الْبَيْتِ بِبَدَنِهِ، فَلَا يَحْرِمْ نَفْسَهُ مِنْ تَعْظِيمِ رَبِّ الْبَيْتِ فِي قَلْبِهِ. كُفُّوا عَنِ الْمَظَالِمِ، وَأَدُّوا الْأَمَانَاتِ، وَتَسَامَحُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُعَظِّمِينَ لِحُرُمَاتِكَ، الْمُسْتَغْفِرِينَ لِذُنُوبِنَا، وَانْصُرْ إِخْوَانَنَا فِي فِلَسْطِينَ وَغَزَّةَ وَسَائِرِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَارْفَعِ الظُّلْمَ عَنِ الْأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
