سَفَرُ الْعُمْرِ: بَيْنَ زَوَالِ الدُّنْيَا وَبَقاء الْآخِرَةِ

prayer, muslim, religion, nature, hira, nur, islam, religious, mecca, city, evening, sunset

El viaje de la vida: entre el mundo y la otra vida

سَفَرُ الْعُمْرِ: بَيْنَ زَوَالِ الدُّنْيَا وَبَقاء الْآخِرَةِ
Imam: Mohamed Salmi
Duración: 21 minutos
سَفَرُ الْعُمْرِ – El viaje de la vida
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

سَفَرُ الْعُمْرِ:
بَيْنَ زَوَالِ الدُّنْيَا وَبَقاء الْآخِرَةِ

خطبة الجمعة Sermón del Viernes

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ مَمَرٍّ وَلَيْسَتْ بِدَارِ مَقَرٍّ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ الْوَعْدِ الْأَمِينُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:

خُطْبَتُنَا بِعُنْوَانِ: سَفَرُ الْعُمْرِ: بَيْنَ زَوَالِ الدُّنْيَا وَبَقاء الْآخِرَةِ

أَيُّهَا الْأَحْبَابُ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ هَذَا الْكَوْنَ عَبَثًا، وَلَمْ يَمُدَّ بِسَاطَ الدُّنْيَا إِلَّا لِيَكُونَ مَحْطَّةَ اخْتِبَارٍ وَمَعْبَرَ ابْتِلَاءِ، غَيْرَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْقُلُوبِ غَفَلَتْ عَنْ حَقِيقَةِ هَذِهِ الدَّارِ، فَتَاهَتْ فِي زِحَامِ الْمَظَاهِرِ، وَالْتَصَقَتْ بِالْأَرْضِ تَعَلُّقًا وَرُكُونًا.

إِنَّ ذَمَّ الدُّنْيَا الْوَارِدَ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ لَيْسَ ذَمًّا لِمَادَّةِ خَلَقَهَا اللَّهُ تعالى، وَلَا عَيْبًا فِي طَيِّبَاتٍ أَحَلَّهَا لِعِبَادِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ ذَمٌّ لِلتَّعَلُّقِ الْمَرْذُولِ، وَالِانْسِيَاقِ الْأَعْمَى خَلْفَ بَهَارِجِهَا وَزِينَتِهَا عَلَى حِسَابِ الدَّارِ الْبَاقِيَةِ.

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ
[البقرة: 86]
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
[فاطر: 5]

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، الدُّنْيَا بِجَمَالِهَا الظَّاهِرِ وَخُضْرَتِهَا الْبَرَّاقَةِ سَرِيعَةُ الزَّوَالِ، قَلِيلَةُ الْوَفَاءِ، كَثِيرَةُ التَّقَلُّبِ، يَضْرِبُ لَنَا الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ مَثَلَهَا الْبَلِيغَ فَيَقُولُ:

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا
[الكهف: 45]

وَمَا أَشْبَهَ الدُّنْيَا بِالْمَاءِ؛ فَالْمَاءُ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَهَكَذَا الدُّنْيَا فِي إِقْبَالِهَا وَإِدْبَارِهَا، وَهُوَ لَا يَدُومُ بَلْ يَذْهَبُ وَيَنْضبُ، وَتِلْكَ هِيَ الدُّنْيَا فِي فَنَائِهَا وَانْقِضَائِهَا، وَلَا يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْ خَوْضِ غِمَارِهَا مِنْ آفَتِهَا وَفِتْنَتِهَا إِلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَحَفِظَهُ.

أَيُّهَا الْكِرَامُ، إِنَّ الْإِنْسَانَ مُنْذُ أَنْ تَطأَ قَدَمَاهُ هَذِهِ الْبَسِيطَةَ وهُوَ مُسَافِرٌ إِلَى رَبِّهِ جَلَّ جَلَالُهُ، وَمُدَّةُ سَفَرِهِ هِيَ عُمُرُهُ الْمَكْتُوبُ، وَالْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي مَرَاحِلُ مَطْوِيَّةٌ، فَكُلُّ شُرُوقِ شَمْسٍ وَغُرُوبِهَا هُوَ طَيُّ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَسِيرَةِ الْعُمُرِ، وَالْكَيِّسُ الْفَطِنُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحْضِرُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، فَيَجْعَلُ كُلَّ مَحَطَّةٍ زَادًا وَسَلَامًا، لَا غَفْلَةً وَهَوَسًا.

وَعِنْدَمَا نَتَأَمَّلُ أَحْوَالَ الْبَشَرِ فِي هَذِهِ الدّنْيَا، نَرَاهُمْ صِنْفَيْنِ يَقَعَانِ فِي خَطَرِ الْغَفْلَةِ إِنْ لَمْ يَحْذَرَا؛ الصِّنْفُ الْأَوَّلُ: صِنْفٌ مُسِحَتْ لَهُ الْأَرْضُ ذَهَبًا، وَبُسِطَتْ لَهُ النِّعَمُ، فَأَخَذَ مِنْ لَذَّاتِهَا وَطَيِّبَاتِهَا، وَاسْتَمْتَعَ بِزُخْرُفِهَا حَتَّى طَغَى وَغَرَّهُ مَالُهُ، وَالصِّنْفُ الثَّانِي: صِنْفٌ كُدّرَتْ عَلَيْهِ عِيشَتُهُ وَأُغْلِقَتْ فِي وَجْهِهِ الْأَبْوَابُ فَعَاشَ فَقِيرًا، وَخَطَرُهُ يَكْمُنُ فِي السُّخْطِ أَوِ الْقُنُوطِ، وَلِكُلِّ صِنْفٍ خَطَرُهُ إِنْ غَفَلَ عَنِ الْغَايَةِ الْأَسْمَى؛ فَالْغَايَةُ هِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَالزَّمَنُ هُوَ هَذِهِ الْأَنْفَاسُ الْمَعْدُودَةُ، وَالْهَدَفُ الْأَوْحَدُ هُوَ الْفَوْزُ بِرِضْوَانِ اللَّهِ تعالى وَالْجَنَّةِ.

كَمْ مِنْ إِنْسَانٍ جَمَعَ الْأَمْوَالَ الطَّائِلَةَ، وَشَيَّدَ الْقُصُورَ وَالْبُنْيَانَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا لَا يَحْمِلُ سِوَى كَفَنِهِ الْأَبْيَضِ! وَكَمْ مِنْ تَاجِرٍ مَلَأَ الْأَسْوَاقَ صَخَبًا، أَوْ صَاحِبِ مَنْصِبٍ أَرْعَدَ وَأَبْرَقَ، أَوْ شَابٍّ أَشْرَقَتْ فِي صَدْرِهِ قُوَّةُ الشَّبَابِ، أَصْبَحَ الْيَوْمَ رَهِينَ لَحْدِهِ فِي بَطْنِ الْأَرْضِ، لَا جَاهَ يُنْقِذُهُ، وَلَا مَالَ يُسْعِفُهُ.

أَيُّهَا الْأَحْبَابُ، إِنَّ التَّعَلُّقَ الْمَذْمُومَ بِالدُّنْيَا هُوَ الَّذِي يُنْسِي الْعَبْدَ رَبَّهُ، وَيُلْهِي الْقُلُوبَ عَنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَحِلَقِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ، وَهُوَ الَّذِي يُزَيِّنُ الْحَرَامَ فِي عُيُونِ النَّاسِ حَتَّى يَعُمَّ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَتُقَدَّمُ أَهْوَاءُ النُّفُوسِ عَلَى هِدَايَةِ الْوَحْيِ.

وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا، لَمَا سَقَى مِنْهَا كَافِرًا شَرْبَةَ مَاءٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ:

لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شُرْبَةَ مَاءٍ
رواه الترمذي

وَلَكِنَّ الْخَطَأَ كُلَّ الْخَطَأِ أَنْ يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا يَعْنِي رَهْبَنَةَ الْعُزْلَةِ، أَوْ تَرْكَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ؛ فَالْإِسْلَامُ لَا يُحَارِبُ الْمَالَ وَلَا الْمَتَاعَ وَلَا الْمَسْكَنَ الْوَاسِعَ، بَلْ يَضْبِطُ الْوِجْهَةَ وَيُصَحِّحُ الْبَوْصَلَةَ.

وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
[القصص: 77]

وَيَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ:

أَرْبَعٌ مِنَ السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ
رواه ابن حبان

فَلَا حَرَجَ الْبَتَّةَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْعَى لِتَحْصِيلِ مَسْكَنٍ يُؤْوِيهِ، أَوْ مَرْكَب يقِلُّهُ، أَوْ مَالٍ يَقْضِي بِهِ أموره وَيُعِفُّ بِهِ نَفْسَهُ وَمَنْ يَعُولُ. وَإِنَّمَا تَكْمُنُ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى فِي لَعْنَةِ التَّعَلُّقِ الْقَلْبِيِّ بِالدُّنْيَا وَالِانْشِغَالِ بِهَا عَنِ اللَّهِ تعالى، وَتَقْدِيمِهَا عَلَى دَارِ الْقَرَارِ.

إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ
رواه مسلم

فَطُوبَى لِعَبْدٍ اسْتَيْقَظَ مِنْ سُبَاتِ الْغَفْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَهُ مَنِيَّةُ الْمَوْتِ، وَاسْتَعَدَّ لِلِقَاءِ رَبِّهِ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ مَوَازِينَ الدُّنْيَا مُغَايِرَةٌ لِمَوَازِينِ الْآخِرَةِ، وَشَتَّانَ بَيْنَ مَنْ يَعِيشُ مُتَعَلِّقًا بِالزَّائِلِ وَبَيْنَ مَنْ يَجْعَلُ هَمَّهُ الْآخِرَةَ. اسْمَعُوا إِلَى هَدِيرِ الْحَقِّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا بْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا بْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللَّهِ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ
رواه مسلم

صَبْغَةٌ وَاحِدَةٌ فِي نَعِيمِ الْجَنَّةِ تُنْسِي الْعَبْدَ كُلَّ بُؤْسِ الدُّنْيَا وَشَقَائِهَا، وَصَبْغَةٌ وَاحِدَةٌ فِي جَحِيمِ النَّارِ تَمْحُو كُلَّ نَعِيمٍ زَائِفٍ عَاشَهُ الْمُتْرَفُونَ فِي الْأَرْضِ. فَلْنَجْعَلِ الدُّنْيَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي أَيْدِينَا لَا فِي قُلُوبِنَا، وَلْنَتَّخِذْ مِنْهَا مَطِيَّةً وَجسرا لِلْآخِرَةِ.

أَيُّهَا الْكِرَامُ، إِنَّ السَّعَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ وَالْحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ لَا تُقَاسُ بِكَثْرَةِ الْغِنَى وَلَا بِارْتِقَاءِ الْمَنَاصِبِ، بَلْ تُسْتَمَدُّ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ وَصَلَاحِ الْعَمَلِ.

وَلْنَسْتَمِعْ إِلَى مَا قَرَّرَهُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي بَيَانِ فَضْلِ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ مِنْ حِلِّهِ وَصَرَفَهُ فِي مَصَارِفِهِ، مُسْتَشْهِدًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى
[الليل: 5-7]

وَأَمَّا الْفَقِيرُ الصَّابِرُ الَّذِي ابْتُلِيَ بِالضَّيْقِ فَرَضِيَ وَاحْتَسَبَ، فَلَهُ الْمَنْزِلَةُ الرَّفِيعَةُ؛ إِذْ يَكْفِيهِ شَرَفًا أَنَّ غَالِبَ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ كَانُوا مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ الصَّابِرِينَ، كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ
رواه الترمذي

وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَاضُعًا وَاقْتِدَاءً:

اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
رواه الترمذي

أَيُّهَا الْأَحْبَابُ، فَلَا فَضْلَ لِغَنِيٍّ لِغِنَاهُ، وَلَا لِفَقِيرٍ لِفَقْرِهِ، إِلَّا بِمِيزَانِ التَّقْوَى وَالْخَشْيَةِ لِلَّهِ، بِأَنَّ أَفْضَلَهُمَا أَتْقَاهُمَا. فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاسْتَثْمِرُوا أَوْقَاتَكُمْ فِيمَا يُقَرِّبُكُمْ إِلَيْهِ.

وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
[القصص: 77]

وَاعْلَمُوا هَدَاكُمُ اللَّهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَدْعُو أَبَدًا إِلَى الْفَقْرِ أَوِ الْعَوَزِ، بَلْ يَحُثُّ عَلَى الْعَمَلِ وَالسَّعْيِ لِكَسْبِ الرِّزْقِ الْحَلَالِ، غَيْرَ أَنَّ مَنَاطَ التَّفَاضُلِ عِنْدَ اللَّهِ لَيْسَ بِالْمَالِ، بَلْ بِالتَّقْوَى وَالْقُلُوبِ الطَّاهِرَةِ، فَسَوَاءً عَاشَ الْعَبْدُ غَنِيًّا شَاكِرًا يُنْفِقُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ، أَوْ فَقِيرًا صَابِرًا يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ حَقًّا هُوَ صِلَتُهُ بِرَبِّهِ وَإِقْبَالُهُ عَلَى طَاعَتِهِ.

فَأَمَّا الْغَنِيُّ الْمُوَفَّقُ الَّذِي رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا فَسَخَّرَهُ فِي طَاعَتِهِ، وَشَكَرَ نِعَمَهُ، فَهُوَ فِي مَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ، يَجِدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَسَنَاتِهِ كَالْجِبَالِ بِمَا قَدَّمَتْهُ يَدَاهُ مِنَ الصَّدَقَاتِ؛ وَمِنْ ذَلِكَ مَا هَدَى إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سُئِلَ:

أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْملُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا
متفق عليه
أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ: دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
رواه مسلم

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، وَحِينَ نَتَأَمَّلُ مَعَانِي الصَّبْرِ الْحَقِيقِيِّ وَالثَّبَاتِ عَلَى الْمَبَادِئِ، تَبْرُزُ أَمَامَ أَعْيُنِنَا صُوَرُ الْعِزَّةِ الْعَظِيمَةِ فِي أَرْضِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ؛ حَيْثُ إِخْوَانُنَا الْأَطْهَارُ فِي غَزَّةَ الْعِزَّةِ، وَفِي كُلِّ رُبُوعِ فِلَسْطِينَ الْحَبِيبَةِ، وَفِي دِيَارِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَكَالَبَتْ عَلَيْهِمْ قُوَى الْبَغْيِ، فَعَاشُوا مِحْنَةَ الْحِصَارِ وَالْجُوعِ وَقَسْوَةَ الظُّرُوفِ، وَصَبَرُوا صَبْرًا جَمِيلًا يُمَزِّقُ قُلُوبَ الْغَافِلِينَ، وَقَدَّمُوا أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي الثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ وَالتَّعَلُّقِ بِالدَّارِ الْآخِرَةِ، غَيْرَ آبِهِينَ بِزُخْرُفِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، وَاثِقِينَ بِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى.

إِنَّ تَضْحِيَاتِهِمُ الْجِسَامَ هِيَ الْمِيزَانُ الْحَقُّ لِلرُّجُولَةِ وَالْإِيمَانِ فِي عَصْرِنَا. فَلْنَتَذَكَّرْ إِخْوَانَنَا هَؤُلَاءِ بِالدُّعَاءِ الْخَالِصِ وَالتَّضَامُنِ الصَّادِقِ، مُدْرِكِينَ أَنَّ ابْتِلَاءَهُمْ هُوَ مِرْآةٌ لِصِدْقِ الْيَقِينِ وَتَمْحِيصٍ لِلْقُلُوبِ.

اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي غَزَّةَ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ، اربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم، وأبدل خوفهم أماناً، وفرج كربهم، وارحم شهداءهم، واشف جرحاهم، واكفهم شر كل ظالم ومتربص. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ. اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا بِذُنُوبِنَا مَنْ لَا يَخَافُكَ وَلَا يَرْحَمُنَا، وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلَّمْ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

Esta vida no es nuestra casa definitiva, sino un paso breve hacia la otra. Allah no creó el mundo sin propósito; lo hizo como prueba para ver cómo actuamos. Por eso, no debemos dejarnos engañar por su belleza, por el dinero, por la fama ni por los cargos. Todo eso pasa rápido, mientras que la vida eterna permanece.

La vida se parece al agua que baja del cielo: hace crecer plantas hermosas, pero luego todo se seca y desaparece. Así también son la juventud, la fuerza, la riqueza y la salud. Hoy las tenemos, pero mañana pueden terminar. Cada día que pasa nos acerca a la muerte y al encuentro con Allah. El creyente inteligente es quien aprovecha su tiempo en la oración, el recuerdo de Allah, el arrepentimiento y las buenas obras.

Hay dos grandes pruebas en esta vida: la riqueza y la pobreza. Quien tiene mucho puede caer en el orgullo y olvidar a su Señor. Quien tiene poco puede caer en la tristeza o la desesperación. Por eso, tanto el rico como el pobre deben recordar que el valor real no está en lo que poseen, sino en la fe, la paciencia, el agradecimiento y la obediencia a Allah.

El Islam no prohíbe trabajar, ganar dinero o disfrutar de las cosas lícitas. Podemos buscar una casa digna, sustento halal y comodidad para la familia. Pero el dinero debe estar en nuestras manos, no en nuestros corazones. Debemos usarlo para hacer el bien, ayudar a los demás y vivir con justicia.

La felicidad verdadera no depende de la abundancia ni del poder, sino de un corazón limpio y unido a Allah. El rico agradecido y generoso, y el pobre paciente y contento, pueden tener una gran recompensa.

También debemos recordar a nuestros hermanos oprimidos en Palestina y en otros lugares. Su firmeza nos enseña que lo que está con Allah es mejor y más duradero. Esta vida es solo una preparación para la otra.

Allahumma unsur ikhwanana al-mustad’afin fi Ghazzah wa fi kulli makan. Allahumma Rabba as-samawati wa al-ard, ya Qawiyyu ya ‘Aziz, urbut ‘ala qulubihim, wa thabbit aqdamahum, wa abdil khawfahum amanan, wa farrij karbahum, warham shuhada’ahum, washfi jarhahum, wakfihim sharra kulli zalimin wa mutarabbis. Allahumma habbib ilayna al-iman wa zayyinhu fi qulubina, wa karrih ilayna al-kufra wa al-fusuqa wa al-‘isyan, waj’alna min ar-rashidin. Allahumma la taj’ali ad-dunya akbara hammina wa la mablagha ‘ilmina, wa la tusallit ‘alayna bi dhunubina man la yakhafuka wa la yarhamuna, wa salli allahumma wa sallim ‘ala sayyid al-mursalin wa ‘ala alihi wa sahbihi ajma’in

اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي غَزَّةَ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ، اربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم، وأبدل خوفهم أماناً، وفرج كربهم، وارحم شهداءهم، واشف جرحاهم، واكفهم شر كل ظالم ومتربص. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ. اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا بِذُنُوبِنَا مَنْ لَا يَخَافُكَ وَلَا يَرْحَمُنَا، وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلَّمْ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ

المركز الإسلامي · Centro Islámico

خطبة الجمعة · Sermón del Viernes

Articulos Similares