LA SOMBRA DE LA SINCERIDAD
Imam: Mohamed Salmi
Duración: 15 minutos
LA SOMBRA DE LA SINCERIDAD
“La sombra de la sinceridad”
Vivir en Occidente no es solo cambiar de lugar, sino afrontar una prueba para la fe y una oportunidad de mostrar la belleza del Islam con el carácter. El Corán nos guía con la historia de Moisés, cuando llegó a Madián cansado y perseguido. Allí vio a dos mujeres débiles que no podían dar de beber a su ganado, y él las ayudó sin esperar recompensa.
En esta escena se reúnen dos virtudes esenciales: la fuerza y la honestidad. La fuerza sin valores puede convertirse en injusticia, y la honestidad sin firmeza puede quedar débil. El Islam educa al creyente para que sea fuerte en la verdad y recto en su conducta.
Lo más profundo del relato está en que, después de ayudar, Moisés “se retiró a la sombra”. No buscó elogios ni reconocimiento. Hizo el bien en silencio. Esa es la sinceridad: actuar para Allah, no para la mirada de la gente. En tiempos en que muchos exhiben sus obras, el creyente debe aprender a proteger su intención y a ocultar sus buenas acciones cuando pueda.
Luego Moisés dijo: “Señor, necesito cualquier bien que hagas descender hacia mí”. Con estas palabras reconoció su pobreza y su absoluta necesidad de Allah. No se alabó a sí mismo ni confió en su esfuerzo, sino que volvió su corazón hacia su Señor. Todo bien —la fe, el sustento y la seguridad— procede de Él.
El creyente también debe sentir el dolor de la Umma. Hoy nuestros hermanos en Gaza y el Líbano sufren, pero resisten con dignidad. Nuestro deber es apoyarlos con nuestros bienes, con nuestras palabras y con nuestra postura, sin olvidar su causa. El Profeta dijo que los creyentes son como un solo cuerpo: cuando una parte sufre, todo el cuerpo responde.
Por eso, este pasaje nos enseña a ayudar en silencio, a no presumir del bien, a reconocer nuestra necesidad de Allah y a no separar nuestra fe del dolor de nuestros hermanos.
Que Allah nos conceda la sinceridad en las obras, la fuerza para ayudar a los necesitados y la humildad para reconocer nuestra pobreza ante Él. Que nos permita ser de quienes hacen el bien en silencio y apoyan a los oprimidos dondequiera que estén. Amén.
¡Recuerden a Allah, Él los recordará! Sean de los sinceros y de los que ayudan a los necesitados.
فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الْقُلُوبَ مَحَلَّ نَظَرِهِ، وَنَوَّرَ بَصَائِرَ السَّالِكِينَ بِأَنْوَارِ هِدَايَتِهِ، الْغَنِيِّ عَنْ خَلْقِهِ، الْفَاتِحِ أَبْوَابَ الْفَرَجِ لِمَنْ لَجَأَ إِلَى حِمَاهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَأُسْوَةً لِلْعَامِلِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَهِيَ خَيْرُ زَادِ الْمُؤْمِنِ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
خُطْبَتُنَا بِعُنْوَانِ: (فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ)
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ الْعَيْشَ فِي هَذِهِ الدِّيَارِ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَدَرٍ جُغْرَافِيٍّ، بَلْ هُوَ ابْتِلَاءٌ لِمَدَى ثَبَاتِ قِيَمِنَا، وَرِسَالَةٌ نَحْمِلُهَا لِنَكُونَ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ بِأَخْلَاقِنَا. إِنَّ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ نُورًا يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، يَكْشِفُ لَنَا عَنْ دَقَائِقِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، وَيَرْسُمُ لَنَا مَعَالِمَ السُّلُوكِ الْقَلْبِيِّ الأَسْمَى الَّذِي يَحْفَظُ عَلَى الإِنْسَانِ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ رَغْمَ تَغَيُّرِ الدِّيَارِ وَتَبَاعُدِ الأَوْطَانِ.
فَتَأَمَّلُوا أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ هَذَا الْمَشْهَدَ الَّذِي يَنْبِضُ بِالْحَيَاةِ؛ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَخْرُجُ مِنْ مِصْرَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، حَافِيَ الْقَدَمَيْنِ، قَدْ أَدْمَتْ حِجَارَةُ الطَّرِيقِ رِجْلَيْهِ، وَأَنْهَكَهُ الْجُوعُ حَتَّى لَمْ يَجِدْ إِلَّا وَرَقَ الشَّجَرِ، فَأَكَلَهُ، وَظَهَرَتْ خُضْرَتُهُ لِمَا نَحَلَ جِسْمُهُ وَاشْتَدَّ ضَعْفُهُ. لَا صَدِيقَ يُؤْنِسُهُ، وَلَا مَأْوَى يَأْوِي إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الْغُرْبَةِ الشَّدِيدَةِ وَالِانْكِسَارِ النَّفْسِيِّ وَالْبَدَنِيِّ يَرَى امْرَأَتَيْنِ ضَعِيفَتَيْنِ تَذُودَانِ غَنَمَهُمَا عَنِ الْمَاءِ لِعَجْزِهِمَا عَنْ مُزَاحَمَةِ الرِّجَالِ الأَشِدَّاءِ الَّذِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ مَادِّيَّةُ الْحَيَاةِ وَقَسْوَةُ الطِّبَاعِ.
هُنَا أَيُّهَا الْكِرَامُ، لَمْ يَقُلْ مُوسَى: نَفْسِي نَفْسِي، وَلَمْ يَتَعَلَّلْ بِأَنَّهُ غَرِيبٌ مَكْرُوبٌ وَأَنَّ نَفْسَهُ أَوْلَى بِالِاهْتِمَامِ وَالرَّاحَةِ، بَلْ تَحَرَّكَتْ فِيهِ رُوحُ الإِيمَانِ، وَنَخْوَةُ الرِّسَالَةِ، وَشَهَامَةُ النُّبُوَّةِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ رُؤْيَةَ الظُّلْمِ أَوْ سَمَاعَ أَنِينِ الِاسْتِضْعَافِ. فَتَقَدَّمَ بِكُلِّ رُجُولَةٍ وَأَدَبٍ، فَرَفَعَ الْحَجَرَ الْعَظِيمَ عَنِ الْبِئْرِ الَّذِي لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا الْعُصْبَةُ أُولُو الْقُوَّةِ، وَسَقَى لَهُمَا دُونَ أَنْ يَطْلُبَ مُقَابِلًا أَوْ يَنْتَظِرَ جَزَاءً مَادِّيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا.
مَعْشَرَ الْأَحْبَابِ، إِنَّ هَذَا الْمَوْقِفَ يَكْشِفُ لَنَا عَنْ صِفَتَيْنِ جَامِعَتَيْنِ لَا تَقُومُ أُمَّةٌ وَلَا تَصْلُحُ جَمَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقِيمُ فَرْدٌ إِلَّا بِهِمَا، وَهُمَا الصِّفَتَانِ اللَّتَانِ وَصَفَتْهُ بِهِمَا إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ حِينَ قَالَتْ لِأَبِيهَا: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26].
تَأَمَّلُوا هَذَا الْجَمْعَ الْفَرِيدَ: الْقُوَّةُ وَالأَمَانَةُ. إِنَّهُ مِنْ أَصْعَبِ الْأُمُورِ فِي طَبَائِعِ النُّفُوسِ أَنْ تَجْتَمِعَ الْقُوَّةُ الْمَادِّيَّةُ أَوِ الْبَدَنِيَّةُ أَوِ السِّيَاسِيَّةُ مَعَ الأَمَانَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ وَالْقَلْبِيَّةِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ التَّأْرِيخَ وَالْوَاقِعَ يُعَلِّمُنَا أَنَّ أَغْلَبَ الْأَقْوِيَاءِ يَسْقُطُونَ فِي فِخَاخِ الْبَغْيِ، وَيَتَحَوَّلُونَ إِلَى ظَلَمَةٍ وَجَبَابِرَةٍ، حَيْثُ تَدْفَعُهُمْ قُوَّتُهُمْ إِلَى اسْتِبَاحَةِ حُقُوقِ الضُّعَفَاءِ، وَالِاسْتِخْفَافِ بِالْأَمَانَاتِ، وَتَغْلِيبِ الْأَنَانِيَّةِ وَالْمَصَالِحِ الضَّيِّقَةِ. الْقُوَّةُ بِلَا أَمَانَةٍ مُسْتَبِدَّةٌ قَاهِرَةٌ، تَقْتُلُ الْأَبْرِيَاءَ، وَتُدَمِّرُ الْعُمْرَانَ، وَتَنْشُرُ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ كَمَا نَرَى الْيَوْمَ فِي غَطْرَسَةِ الْقُوَى الْعَالَمِيَّةِ.
وَفِي الْمُقَابِلِ، فَإِنَّ الْأَمَانَةَ بِلَا قُوَّةٍ تَكُونُ ضَعْفًا وَعَجْزًا، لَا تَسْتَطِيعُ حِمَايَةَ الْحَقِّ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى نَجْدَةِ الْمَظْلُومِ. لَكِنَّ الإِسْلَامَ، فِي مَدْرَسَتِهِ التَّرْبَوِيَّةِ الْعَمِيقَةِ، يَصْنَعُ الإِنْسَانَ الرِّسَالِيَّ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ؛ قَوِيٌّ فِي الْحَقِّ، جَسُورٌ فِي صَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ، ذُو هِمَّةٍ عَالِيَةٍ لَا تَعْرِفُ الْخُمُولَ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، أَمِينٌ عَلَى حُدُودِ اللهِ، عَفِيفٌ عَنْ أَعْرَاضِ الْخَلْقِ، حَارِسٌ لِقِيَمِ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ.
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَسْتَخْدِمْ قُوَّتَهُ الْجَسَدِيَّةَ لِيَقْهَرَ الْعَاجِزِينَ، بَلْ سَخَّرَهَا بِأَمَانَةٍ لِخِدْمَتِهِمْ. وَمَا أَحْوَجَنَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي هَذِهِ الدِّيَارِ إِلَى تَمَثُّلِ هَذَا الْخُلُقِ الْقُرْآنِيِّ الْجَامِعِ!
إِنَّ حُضُورَنَا فِي الْغَرْبِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُضُورًا هَامِشِيًّا ضَعِيفًا، أَوْ طَلَبًا لِلِانْزِوَاءِ وَالِانْكِفَاءِ، كَمَا لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ سَعْيًا جَشِعًا وَرَاءَ لُقْمَةِ الْعَيْشِ وَالْمَكَاسِبِ الْمَادِّيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُضُورَ رِسَالَةٍ وَإِحْسَانٍ، حُضُورًا قَوِيًّا بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالإِنْتَاجِ، أَمِينًا عَلَى هُوِيَّتِهِ وَأَخْلَاقِهِ، حُضُورًا يَعْكِسُ جَمَالَ هَذَا الدِّينِ الشَّامِلِ مِنْ خِلَالِ نَجْدَةِ الْمَلْهُوفِ، وَمُعَاوَنَةِ الضَّعِيفِ، وَنَشْرِ الْخَيْرِ وَالسَّلَامِ فِي كُلِّ مَجَالٍ، حَتَّى يَرَى النَّاسُ فِينَا حَقِيقَةَ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.
أَيُّهَا الْأَفَاضِلُ، إِنَّ السِّرَّ الْعَظِيمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسَ فِي مُجَرَّدِ السَّقْيِ، بَلْ فِي تِلْكَ اللَّفْظَةِ الْقُرْآنِيَّةِ الْمُعْجِزَةِ الَّتِي تَسْكُبُ السَّكِينَةَ فِي الْأَرْوَاحِ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ﴾. فَلَمْ يَقِفْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيُظْهِرَ قُوَّتَهُ وَيَسْتَعْرِضَ شَهَامَتَهُ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ كَلِمَاتِ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَبِيهِمَا، وَلَمْ يَبْتَغِ رِئَاسَةً وَلَا وِجَاهَةً فِي أَعْيُنِ أَهْلِ مَدْيَنَ، بَلْ أَدَّى الْخَيْرَ لِلَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ انْسَحَبَ فِي هُدُوءٍ تَامٍّ، هَارِبًا مِنْ رِيَاءِ الْخَلْقِ وَضَوْءِ الشُّهْرَةِ إِلَى رِعَايَةِ الْخَالِقِ وَظِلِّ الإِخْلَاصِ.
إِنَّ مَشْهَدَ الإِخْفَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ يُشْبِهُ تَمَامًا تَوَلِّي مُوسَى إِلَى الظِّلِّ؛ فَكِلَاهُمَا طَلَبٌ لِلظِّلِّ الرَّبَّانِيِّ وَالْقَبُولِ الإِلَهِيِّ بَعِيدًا عَنْ أَنْوَارِ الشُّهْرَةِ الزَّائِفَةِ وَرِيَاءِ الْمَظَاهِرِ الْجَوْفَاءِ.
وَالنَّفْسُ الْمُؤْمِنَةُ تَتَرَبَّى عَلَى الْعَمَلِ الدَّؤُوبِ فِي صَمْتٍ، وَتَسْعَى لِتَكُونَ كَالْجُذُورِ الَّتِي تَخْتَفِي تَحْتَ الْأَرْضِ لِتَمُدَّ الشَّجَرَةَ بِالْحَيَاةِ، لَا كَالْأَوْرَاقِ الَّتِي تَتَرَاقَصُ أَمَامَ الأَعْيُنِ.
وَخُصُوصًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ فِي هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي صَارَتْ فِيهِ وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الْحَدِيثَةِ تَدْعُو إِلَى اسْتِعْرَاضِ كُلِّ شَيْءٍ، وَتَحُثُّ عَلَى تَصْوِيرِ الطَّاعَاتِ وَبَثِّ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَتَوْثِيقِ الصَّدَقَاتِ لِجَمْعِ الْإِعْجَابَاتِ، مِمَّا قَدْ يَخْدِشُ مِرْآةَ الإِخْلَاصِ الصَّافِي وَيُحْبِطُ الْأَجْرَ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
فَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ يَهْتِفُ بِنَا مِنْ خِلَالِ سِيرَةِ الْأَنْبِيَاءِ: اصْنَعِ الْخَيْرَ لِأَنَّ اللهَ يَرَاكَ، لَا لِأَنَّ النَّاسَ يَمْدَحُونَكَ! فَإِذَا صَفَا الْقَلْبُ مِنْ حُبِّ الظُّهُورِ، تَذَوَّقَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ، وَسَكِينَةَ الْقُرْبِ، وَأَنِسَ بِاللهِ فِي خَلْوَتِهِ كَمَا يَأْنَسُ بِهِ فِي جَلْوَتِهِ.
وَمَاذَا بَعْدَ الْعَمَلِ؟ كَيْفَ يَكُونُ حَالُ الْعَبْدِ بَعْدَ أَنْ يُوَفِّقَهُ اللهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ جَلِيلٍ؟ هَلْ يَفْخَرُ بِجُهْدِهِ وَيَرَى نَفْسَهُ مُتَفَضِّلًا؟ انْظُرُوا إِلَى كَلِيمِ اللهِ مُوسَى وَهُوَ مُنْطَرِحٌ تَحْتَ ظِلِّ الشَّجَرَةِ، بَعِيدًا عَنِ الدِّيَارِ، جَائِعًا لَا يَجِدُ قُوتًا، يَلْهَجُ بِأَعْظَمِ دُعَاءِ الِافْتِقَارِ الَّذِي حَفِظَهُ لَنَا الْقُرْآنُ: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: رَبِّ إِنِّي سَقَيْتُ لَهُمَا فَأَطْعِمْنِي، وَلَمْ يَقُلْ: رَبِّ إِنِّي نَصَرْتُ الضَّعِيفَ وَرَفَعْتُ الصَّخْرَةَ فَانْصُرْنِي، بَلْ أَعْلَنَ فَقْرَهُ التَّامَّ وَعَجْزَهُ الْمُطْلَقَ أَمَامَ غِنَى اللهِ الْوَاسِعِ. لَقَدْ نَسِيَ جُهْدَهُ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَهُ، وَرَأَى أَنَّ التَّوْفِيقَ لِلسَّقْيِ نَفْسِهِ هُوَ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ وَالِانْكِسَارَ.
إِنَّ الِافْتِقَارَ هُوَ رُوحُ الْعُبُودِيَّةِ وَلُبُّهَا، وَهُوَ الشَّاهِدُ الصَّادِقُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ نَفْسِهِ الضَّعِيفَةِ وَحَقِيقَةَ رَبِّهِ الْقَوِيِّ الْعَزِيزِ.
وَمِنْ قِصَصِ الصَّالِحِينَ الْعَارِفِينَ الَّتِي تُبَيِّنُ هَذَا الِانْكِسَارَ الرُّوحِيَّ، أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ إِذَا قَامَ بِاللَّيْلِ وَصَلَّى وَبَكَى حَتَّى بَلَّتْ دُمُوعُهُ لِحْيَتَهُ، جَلَسَ فِي مِحْرَابِهِ مُعَفِّرًا وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ وَهُوَ يَقُولُ: “إِلَهِي، أَنَا الطَّالِبُ الْفَقِيرُ، أَنَا الْعَاجِزُ الْكَسِيرُ، عَمَلِي لَا يُؤَهِّلُنِي لِجَنَّتِكَ، وَلَكِنَّ رَحْمَتَكَ هِيَ مَلَاذِي وَرَجَائِي، فَصَلَاتِي مِنْكَ وَإِلَيْكَ، وَلَا حَوْلَ لِي وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِبَابِكَ”. هَكَذَا هُوَ شَأْنُ عُشَّاقِ الْآخِرَةِ وَأَهْلِ الصَّفَاءِ؛ يَبْذُلُونَ جُهْدَهُمْ وَيُفْنُونَ أَعْمَارَهُمْ فِي الطَّاعَةِ، ثُمَّ يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ مُقَصِّرِينَ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى.
إِنَّ الدُّعَاءَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ الْمُوسَوِيَّةِ يُعَلِّمُنَا أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ نَحْنُ فِيهَا فِي هَذِهِ الْبِلَادِ، سَوَاءٌ كَانَتْ نِعْمَةَ الْهِدَايَةِ الَّتِي هِيَ أَغْلَى مَا نَمْلِكُ، أَوْ نِعْمَةَ الْمَالِ، أَوْ نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالْعَافِيَةِ، إِنَّمَا هِيَ خَيْرٌ أَنْزَلَهُ اللهُ إِلَيْنَا مِنْ عِنْدِهِ، لَيْسَ بِذَكَائِنَا وَلَا بِحِيَلِنَا وَلَا بِقُوَّتِنَا. فَإِذَا اعْتَرَفَ الْعَبْدُ بِالْفَقْرِ فِي مَقَامِ الْغِنَى، مَلَأَ اللهُ قَلْبَهُ بِالرِّضَا وَالْيَقِينِ، وَفَتَحَ لَهُ أَبْوَابَ الْفَرَجِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي لَا تَمُرُّ عَلَى خَيَالِ بَشَرٍ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ النَّفْسَ السَّائِرَةَ إِلَى اللهِ تَجْمَعُ فِي تَوَازُنٍ رَائِعٍ بَيْنَ صَفَاءِ الْخَلْوَةِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى اللهِ، وَبَيْنَ الشُّعُورِ بِآلَامِ الْأُمَّةِ؛ فَلَا عُزْلَةَ فِي الإِسْلَامِ تَعْنِي نِسْيَانَ الْمُسْتَضْعَفِينَ.
وَتَذَكَّرُوا أَنَّ مَعْرُوفًا خَفِيًّا وَاحِدًا صَنَعَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ سَبَبًا فِي نَجَاتِهِ وَرِزْقِهِ، وَهَكَذَا صَدَقَاتُكُمُ الْخَفِيَّةُ وَنُصْرَتُكُمْ لِلْمَظْلُومِ تَقِيكُمْ مَصَارِعَ السُّوءِ وَتَحْفَظُ أُسَرَكُمْ.
وَنَحْنُ نَسْتَلْهِمُ هَذِهِ الدُّرُوسَ، لَا نَنْسَى الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي غَزَّةَ وَلُبْنَانَ؛ الَّذِينَ يَعِيشُونَ بَلَاءً يَفُوقُ الْوَصْفَ مِنَ التَّشْرِيدِ وَالْحِصَارِ، وَلَكِنَّهُمْ يَقِفُونَ بِعِزَّةٍ شَامِخَةٍ مُجَسِّدِينَ مَقَامَ: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
إِنَّ وَاجِبَنَا نَحْنُ -أَهْلَ الأَمْنِ وَالسَّعَةِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ – أَنْ نَكُونَ لَهُمْ كَمُوسَى؛ فَنَنْصُرَهُمْ وَنُسَاعِدَهُمْ بِمَا نَمْلِكُ: بِأَمْوَالِنَا، وَبِأَلْسِنَتِنَا وَأَقْلَامِنَا، وَبِقُلُوبِنَا وَالدُّعَاءِ الصَّادِقِ لَهُمْ فِي أَوْقَاتِ السَّحَرِ.
فَلَا تَظُنُّوا أَنَّ الْغُرْبَةَ تَعْزِلُكُمْ عَنْ جَسَدِ أُمَّتِكُمُ الْوَاحِدِ. فَاجْعَلُوا إِحْسَانَكُمْ هُنَا نُصْرَةً لِلْحَقِّ هُنَاكَ بِنِيَّاتٍ خَالِصَةٍ، عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا وَلَهُمْ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ
