الْمُسْلِمُونَ فِي الْغَرْبِ بَيْنَ فِقْهِ الِانْدِمَاجِ وَرُوحَانِيَّةِ الِانْتِمَاءِ

mostar, the balkans, cami, bosnia and herzegovina, trip, bosnia, tourism, unesco, old, europe, herzegovina, balkan, city, islam, historical, architectural, neretva, nature, view, green, mostar, mostar, bosnia, bosnia, bosnia, bosnia, bosnia

Los musulmanes en Occidente
Entre la integración y la identidad espiritual

الْمُسْلِمُونَ فِي الْغَرْبِ بَيْنَ فِقْهِ الِانْدِمَاجِ وَرُوحَانِيَّةِ الِانْتِمَاءِ
Imam: Mohamed Salmi
Duración: 22 minutos
الْمُسْلِمُونَ فِي الْغَرْبِ – Los musulmanes en Occidente
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

الْمُسْلِمُونَ فِي الْغَرْبِ
بَيْنَ فِقْهِ الِانْدِمَاجِ وَرُوحَانِيَّةِ الِانْتِمَاءِ

خطبة الجمعة Sermón del Viernes

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

عُنْوَانُ الْخُطْبَةِ: الْمُسْلِمُونَ فِي الْغَرْبِ بَيْنَ فِقْهِ الِانْدِمَاجِ وَرُوحَانِيَّةِ الِانْتِمَاءِ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ الَّتِي نَعِيشُ فِي أَكْنَافِهَا، وَنَتَنَفَّسُ هَوَاءَهَا، وَتَحْتَضِنُ أَجْسَادَنَا وَأَحْلَامَنَا، لَيْسَتْ نَمَطاً وَاحِداً، وَلَا لَوْناً وَاحِداً، وَلَا لُغَةً وَاحِدَةً، وَلَا ثَقَافَةً وَاحِدَةً، بَلْ هِيَ لَوْحَةٌ فَسَيْفَسَائِيَّةٌ كُبْرَى، بَدِيعَةُ الصُّنْعِ، إِلَهِيَّةُ التَّكْوِينِ، أَبْدَعَهَا الْخَلَّاقُ الْعَظِيمُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ، فَقَدْ شَاءَتْ إِرَادَةُ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ أَنْ نَكُونَ شُعُوباً شَتَّى، وَقَبَائِلَ مُتَفَرِّقَةً، وَأَلْسِنَةً مُخْتَلِفَةً، وَأَعْرَاقاً مُتَبَايِنَةً، لَا لِكَيْ نَتَنَاحَرَ أَوْ نَتَصَارَعَ، وَلَا لِكَيْ يَسْتَعْلِيَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، بَلْ لِتَكُونَ هَذِهِ الْكَثْرَةُ سَبِيلًا إِلَى التَّفَاعُلِ الْإِيجَابِيِّ، وَالتَّقَارُبِ الْإِنْسَانِيِّ، وَالتَّعَارُفِ الْحَضَارِيِّ.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
[الحجرات: 13]

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، أَيُّهَا الْكِرَامُ، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَقْرِيرٍ لِحَقِيقَةٍ دِيمُوغْرَافِيَّةٍ، بَلْ هِيَ دُسْتُورٌ إِنْسَانِيٌّ أَخْلَاقِيٌّ، وَنِدَاءٌ رَبَّانِيٌّ مَفْتُوحٌ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ؛ فَالتَّعَارُفُ لَيْسَ مَعْرِفَةً سَطْحِيَّةً بِالْآخَرِ، بَلْ هُوَ انْفِتَاحٌ وَاعٍ، وَاكْتِشَافٌ مُتَبَادَلٌ، وَحِوَارٌ دَائِمٌ، وَتَكَامُلٌ فِي بِنَاءِ الْحَيَاةِ، وَاسْتِفَادَةٌ مِنْ خِبَرَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ جَمْعَاءَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ وَإِصْلَاحِهَا.

وَقَدْ أَصَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهَذَا الْمَعْنَى الْإِنْسَانِيِّ الْجَامِعِ بِقَوْلِهِ الشَّرِيفِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى
رواه أحمد في مسنده

وَلَكِنْ، عِنْدَمَا نَنْتَقِلُ مِنْ رِحَابِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَمِنْ فَضَاءِ التَّصَوُّرِ الْمِثَالِيِّ إِلَى وَاقِعِنَا الْمَعِيشِ الْيَوْمَ، وَخُصُوصاً عِنْدَمَا نَتَأَمَّلُ حَالَ أَبْنَائِنَا وَأَحْبَابِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الدِّيَارِ الْغَرْبِيَّةِ، نَرَى مَشْهَداً مُعَقَّداً، وَتَحَدِّيَاتٍ جَسِيمَةً تَسْتَدْعِي الْوُقُوفَ الطَّوِيلَ، وَالتَّأَمُّلَ الْعَمِيقَ، وَالنَّظَرَ الْفَاحِصَ؛ فَالْمُسْلِمُ الْمُهَاجِرُ إِلَى بِلَادِ الْغَرْبِ، يَجِدُ نَفْسَهُ فَجْأَةً فِي قَلْبِ بِيئَةٍ ثَقَافِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ وَقَانُونِيَّةٍ تَخْتَلِفُ جِذْرِيًّا عَنِ الْبِيئَةِ الَّتِي نَشَأَ فِيهَا وَتَأَصَّلَتْ فِي وِجْدَانِهِ، وَهُنَا تَبْرُزُ الْمُشْكِلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ فِي أَزَمَاتٍ عِدَّةٍ.

فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَخْتَارُ الِارْتِدَادَ إِلَى قَوَاقِعَ ثَقَافِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ، فَيَعِيشُ فِي مُجْتَمَعَاتٍ مُغْلَقَةٍ شِبْهِ مُنْعَزِلَةٍ، مُكْتَفِينَ بِالتَّرَحُّمِ عَلَى أَمْجَادِ الْمَاضِي، نَاظِرِينَ إِلَى الْبِيئَةِ الْغَرْبِيَّةِ بِرِيبَةٍ تَامَّةٍ وَرَفْضٍ مُطْلَقٍ، مِمَّا يَحْرِمُهُمْ مِنْ فُرْصَةِ الْحُضُورِ الْإِيجَابِيِّ، وَيُبْقِي صُورَتَهُمْ مُشَوَّهَةً.

وَفِي الْمُقَابِلِ، يَقَعُ آخَرُونَ خُصُوصاً مِنَ الْأَجْيَالِ النَّاشِئَةِ فِي فَخِّ الذَّوْبَانِ الْكَامِلِ وَالِانْخِلَاعِ التَّامِّ عَنِ الْجُذُورِ الْعَقَدِيَّةِ وَالْقِيَمِ الرُّوحِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّةِ، مُحَاوِلِينَ الِانْدِمَاجَ الْأَعْمَى فِي ثَقَافَةٍ اسْتِهْلَاكِيَّةٍ مَحْضَةٍ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى ضَيَاعِ الْهُوِيَّةِ، وَتَفَكُّكِ الرَّوَابِطِ الْأُسَرِيَّةِ، وَالشُّعُورِ بِاغْتِرَابٍ رُوحِيٍّ قَاتِلٍ.

أَيُّهَا الْأَحْبَابُ، يَكْمُنُ الْخَلَلُ الْأَكْبَرُ فِي سُوءِ فَهْمِنَا لِطَبِيعَةِ الْمُحِيطِ الْغَرْبِيِّ؛ فَالْكَثِيرُونَ مِنَّا مَا زَالُوا يَتَعَامَلُونَ مَعَ الْمُجْتَمَعَاتِ الْغَرْبِيَّةِ بِعَقْلِيَّةِ الِاسْتِعْلَاءِ الْوَاهِمِ، نَاسِينَ أَوْ مُتَجَاهِلِينَ بِحَقِيقَةٍ بِنْيَوِيَّةٍ هَامَّةٍ تَجْعَلُ التَّعَامُلَ مَعَ هَذِهِ الْمُجْتَمَعَاتِ يَخْتَلِفُ عَنْ كُلِّ تَارِيخِنَا الْمَاضِي، أَلَا وَهِيَ أَنَّ الْغَرْبَ لَا تَحْكُمُهُ الْأَخْلَاقُ الْفَرْدِيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ، وَلَا النَّوَايَا الْحَسَنَةُ، بِقَدْرِ مَا يَحْكُمُهُ الْقَانُونُ الصَّارِمُ وَالْمَسَاطِرُ الْمُؤَسَّسِيَّةُ الدَّقِيقَةُ.

هَذِهِ هِيَ الْحَقِيقَةُ الْمُرَّةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ نُدْرِكَهَا بِوَعْيٍ وَتَبَصُّرٍ؛ فَالْمُجْتَمَعَاتُ الْغَرْبِيَّةُ مُجْتَمَعَاتٌ تَعَاقُدِيَّةٌ بِامْتِيَازٍ، الْقَانُونُ فِيهَا هُوَ السَّيِّدُ الْمُطَاعُ، وَالْمِسْطَرَةُ هِيَ الْفَيْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالنِّظَامُ هُوَ الْمِعْيَارُ الَّذِي تُقَاسُ بِهِ كَفَاءَةُ الْفَرْدِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْعَيْشِ الْمُشْتَرَكِ.

وَكَثِيرٌ مِنْ أَبْنَائِنَا يَسْقُطُونَ فِي الْمَحْظُورِ الْقَانُونِيِّ، أَوْ يَتَعَرَّضُونَ لِلظُّلْمِ وَالتَّهْمِيشِ، لَيْسَ لِأَنَّهُمْ سَيِّئُونَ بِطَبِيعَتِهِمْ، بَلْ لِجَهْلِهِمْ بِآلِيَّاتِ الِاشْتِغَالِ الْقَانُونِيِّ، وَلِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الْعَاطِفَةَ الدِّينِيَّةَ وَحْدَهَا، أَوْ حُسْنَ النِّيَّةِ الْفَرْدِيَّةَ، يَكْفِيَانِ لِكَسْبِ الْمَعَارِكِ الْيَوْمِيَّةِ فِي بِيئَةٍ تَحْكُمُهَا الْمُؤَسَّسَاتُ وَاللَّوَائِحُ الصَّارِمَةُ، لَا الْعَوَاطِفُ وَالشِّعَارَاتُ الرَّنَّانَةُ.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، إِنَّ الدِّينَ الْإِسْلَامِيَّ الْعَظِيمَ لَمْ يَأْتِ لِيَكُونَ دِيناً مُنْعَزِلًا، بَلْ جَاءَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَنُوراً يَسْتَضِيءُ بِهِ الْبَشَرُ أَجْمَعُونَ، وَحِينَ نَتَأَمَّلُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نُدْرِكُ تَمَامَ الْإِدْرَاكِ أَنَّنَا مُطَالَبُونَ بِتَغْيِيرِ بُوصَلَتِنَا مِنْ عَقْلِيَّةِ الصِّدَامِ وَالصِّرَاعِ إِلَى عَقْلِيَّةِ الشُّهُودِ الْحَضَارِيِّ وَالتَّعَارُفِ الْمُثْمِرِ، وَإِنَّنَا مُطَالَبُونَ بِأَنْ نَفْهَمَ الْآخَرَ الْغَرْبِيَّ لَا بِوَصْفِهِ عَدُوّاً أَبَدِيّاً يَجِبُ مُحَارَبَتُهُ، بَلْ بِوَصْفِهِ إِنْسَاناً كَرَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا
[الإسراء: 70]

وَهَذَا التَّكْرِيمُ الْإِلَهِيُّ الْعَامُّ لِلْإِنْسَانِ يَفْرِضُ عَلَيْنَا ابْتِدَاءً أَنْ نَنْظُرَ إِلَى بَنِي الْبَشَرِ بِعَيْنِ الِاحْتِرَامِ الْإِنْسَانِيِّ الْمُشْتَرَكِ.

أَيُّهَا الْكِرَامُ، إِنَّ الْحِكْمَةَ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ أَيْنَمَا وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا، وَاحْتِرَامُ قَوَانِينِ الْبُلْدَانِ الَّتِي نَعِيشُ فِيهَا، وَنَتَفَيَّأُ ظِلَالَ أَمْنِهَا، وَنَسْتَرْزِقُ فِي أَسْوَاقِهَا، لَيْسَ مُجَرَّدَ خِيَارٍ تَكْتِيكِيٍّ، وَلَا هُوَ نِفَاقٌ اجْتِمَاعِيٌّ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ وَأَخْلَاقِيٌّ يَفْرِضُهُ عَلَيْنَا مَنْطِقُ الْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ الَّذِي أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ؛ فَالْإِسْلَامُ يَنْهَانَا عَنِ الْغَدْرِ، وَيَأْمُرُنَا بِالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ الَّتِي أَخَذْنَاهَا عَلَى أَنْفُسِنَا بِالدُّخُولِ إِلَى هَذِهِ الْبُلْدَانِ وَالْإِقَامَةِ فِيهَا.

مَنْ قَتَلَ مُعَاهَداً لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاماً
رواه البخاري في صحيحه

وَفِي سِيرَةِ نَبِيِّنَا الْعَطِرَةِ دُرُوسٌ بَلِيغَةٌ، حِينَ شَهِدَ حِلْفَ الْفُضُولِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ:

لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفاً مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ دُعِيتُ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ
رواه البيهقي في السنن الكبرى

وَهُوَ حِلْفٌ – بِلُغَةِ عَصْرِنَا جَمْعِيَّةٌ إِنْسَانِيَّةٌ تَعْنَى بِحُقُوقِ الْمَظْلُومِينَ – هَذَا الْحِلْفُ قَامَ عَلَى نُصْرَةِ الْمَظْلُومِ وَإِحْقَاقِ الْحَقِّ وَلَوْ كَانَ غَرِيباً، فَمَا بَالُكُمُ الْيَوْمَ بِمَنْ يَعِيشُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أُمَمٍ تَعَاقَدَتْ عَلَى حِفْظِ الْأَنْظِمَةِ وَصِيَانَةِ الْحُقُوقِ الْمَدَنِيَّةِ؟

أَيُّهَا الْأَحْبَابُ، إِنَّ مَا شَهِدْنَاهُ وَلَا زِلْنَا مِنْ مَشَاهِدِ سَبْتَةَ وَنَظَائِرِهَا لَيْسَ مُجَرَّدَ حَادِثٍ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ صَادِقَةٌ تَعْكِسُ أَزْمَةً عَمِيقَةً فِي الْأَمَلِ وَالِانْتِمَاءِ، حَيْثُ يَجِدُ آلَافُ الشَّبَابِ أَنَّ يَرْمِيَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ أَهْوَنُ مِنَ الْبَقَاءِ فِي وَطَنٍ لَا يَرَوْنَ فِيهِ مَسَاراً وَاضِحاً لِلْكَرَامَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَهُوَ مَا يَكْشِفُ عَنْ تَرَاكُمِ اخْتِلَالَاتٍ بِنْيَوِيَّةٍ مِنْ بَطَالَةٍ مُتَفَشِّيَةٍ، وَتَعْلِيمٍ لَا يُفْضِي إِلَى فُرَصٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَفَوَارِقَ اجْتِمَاعِيَّةٍ تُغَذِّي الشُّعُورَ بِالظُّلْمِ وَالتَّهْمِيشِ، فَتَتَآكَلُ الثِّقَةُ فِي جَدْوَى الِاجْتِهَادِ، وَيَضْعُفُ الِانْتِمَاءُ لِوَطَنٍ لَا يُشْرِكُ شَبَابَهُ فِي صُنْعِ مَصِيرِهِ.

وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الطَّاقَةَ الشَّبَابِيَّةَ لَيْسَتْ خَطَراً فِي ذَاتِهَا، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ رَافِعَةً لِلتَّنْمِيَةِ إِذَا وُجِّهَتْ بِالْعَدْلِ وَالْإِصْلَاحِ وَالتَّخْطِيطِ، وَإِنَّ الْحَلَّ لَا يَكْمُنُ فِي مُقَارَبَاتٍ أَمْنِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ، بَلْ فِي إِصْلَاحٍ حَقِيقِيٍّ يُعِيدُ الثِّقَةَ، وَيُحَقِّقُ تَكَافُؤَ الْفُرَصِ، وَيَفْتَحُ الْمَجَالَ لِمُشَارَكَةٍ شَبَابِيَّةٍ وَاعِيَةٍ، تُحَوِّلُ الْإِحْبَاطَ إِلَى فِعْلٍ، وَالْغَضَبَ إِلَى وَعْيٍ، فَالتَّغْيِيرُ الْمَسْؤُولُ الْمُنَظَّمُ هُوَ السَّبِيلُ الْأَجْدَى، أَمَّا الِانْدِفَاعُ الْعَاطِفِيُّ فَلَا يُنْتِجُ إِلَّا مَزِيداً مِنَ الْمَآسِي.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ الْكَلَامَ عَنِ الْمَشَاكِلِ لَا يُجْدِي نَفْعاً إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالْحُلُولِ الْعَمَلِيَّةِ النَّاجِعَةِ؛ فَلْنَحْرِصْ عَلَى الِانْخِرَاطِ الْوَاعِي الْإِيجَابِيِّ لَا الذَّوْبَانِ وَلَا الِانْعِزَالِ، وَلْنَكُنْ جُزْءاً صَالِحاً وَفَعَّالاً فِي مُجْتَمَعَاتِنَا هَذِهِ، نُشَارِكُ فِي الْعَمَلِ الْجَمْعَوِيِّ، وَنَدْعَمُ الْقَضَايَا الْإِنْسَانِيَّةَ الْعَادِلَةَ، وَنُسْهِمُ فِي الْمَدَارِسِ وَمَعَ الْجِيرَانِ فِي الْأَحْيَاءِ، وَلْيَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَفِيراً حَقِيقِيّاً لِدِينِهِ بِأَمَانَتِهِ وَصِدْقِهِ وَنَظَافَتِهِ.

كَمَا يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَنِيَ أَشَدَّ الْعِنَايَةِ بِتَعَلُّمِ اللُّغَةِ جَيِّداً وَبِدِرَاسَةِ قَوَانِينِ الْبُلْدَانِ الَّتِي نَعِيشُ فِيهَا، لِنَعْرِفَ حُقُوقَنَا كَامِلَةً غَيْرَ مَنْقُوصَةٍ، وَنُؤَدِّيَ وَاجِبَاتِنَا بِتَمَامِهَا، فَاللُّجُوءُ إِلَى الْقَضَاءِ، وَاحْتِرَامُ الْمُؤَسَّسَاتِ، وَاسْتِخْدَامُ الْوَسَائِلِ الْقَانُونِيَّةِ السِّلْمِيَّةِ لِلدِّفَاعِ عَنْ حُقُوقِنَا هُوَ عَيْنُ الْحِكْمَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ.

وَلَا يُمْكِنُ لِأَقَلِّيَّةٍ مُسْلِمَةٍ أَنْ تَنْجَحَ فِي الْحِفَاظِ عَلَى هُوِيَّتِهَا وَحُقُوقِهَا إِلَّا إِذَا كَانَتْ أَشَدَّ النَّاسِ احْتِرَاماً لِلْقَانُونِ وَأَحْرَصَهُمْ عَلَى النِّظَامِ.

أَيُّهَا الْكِرَامُ، إِنَّ الْخَطَرَ الْأَكْبَرَ الَّذِي يُهَدِّدُ وُجُودَنَا الْحَضَارِيَّ فِي الْغَرْبِ يَتَمَثَّلُ فِي ضَيَاعِ الْأَجْيَالِ النَّاشِئَةِ، وَهُنَا تَقَعُ الْمَسْؤُولِيَّةُ الْكُبْرَى عَلَى الْأُسْرَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَالْمَرَاكِزِ الْإِسْلَامِيَّةِ ثَانِياً، فِي تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالِاعْتِزَازِ بِالْهُوِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ دُونَ شُعُورٍ بِالدُّونِيَّةِ أَوْ الِاسْتِعْلَاءِ الْأَجْوَفِ، بِقُلُوبٍ مَلِيئَةٍ بِالْيَقِينِ وَالرُّوحَانِيَّةِ الْعَمِيقَةِ الَّتِي تَهُزُّ الْقُلُوبَ وَتَصِلُ الْعَبْدَ بِرَبِّهِ، حَتَّى لَا تَزِلَّ أَقْدَامُهُمْ فِي بَرَاثِنِ الْمَادِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ أَوِ الِانْحِرَافَاتِ الْمُدَمِّرَةِ.

فَالشَّابُّ الْمُسْلِمُ الَّذِي يَمْتَلِكُ هُوِيَّةً رَاسِخَةً وَرُوحَانِيَّةً حَيَّةً، هُوَ وَحْدَهُ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَقِفَ شَامِخاً كَالنَّخْلَةِ، يَضْرِبُ بِجُذُورِهِ فِي أَعْمَاقِ الْأَصَالَةِ، وَيَمُدُّ أَغْصَانَهُ فِي سَمَاءِ الْعَصْرِ لِيُثْمِرَ خَيْراً لِلْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ.

أَيُّهَا الْأَحْبَابُ، إِنَّنَا أُمَّةٌ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَإِنَّ مَسْؤُولِيَّتَنَا الْيَوْمَ، أَيْنَمَا كُنَّا، فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دِيَارِ الْمَهْجَرِ وَالِاغْتِرَابِ، أَنْ نَكُونَ مِيزَانَ عَدْلٍ، وَشُهَدَاءَ قِسْطٍ، وَسُفَرَاءَ صِدْقٍ لِدِينِنَا الْحَنِيفِ.

فَلَا نَنْسَىٰ إِخْوَانَنَا فِي غَزَّةَ، وَمَا يَعِيشُونَهُ مِنْ حِصَارٍ وَخَوْفٍ وَتَهْجِيرٍ وَفَقْدٍ، وَلَا نَنْسَىٰ جَمِيعَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي الْعَالَمِ، مِنَ الْأَرَامِلِ وَالْأَيْتَامِ وَالْمَهَجَّرِينَ وَالْمَظْلُومِينَ، فَإِنَّ نُصْرَةَ الْمَظْلُومِ وَإِغَاثَةَ الْمَكْرُوبِ وَالدِّفَاعَ عَنِ الْحَقِّ مِنْ صُلْبِ رِسَالَةِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ بِالْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ، وَالدُّعَاءِ، وَالْعَمَلِ الْإِنْسَانِيِّ، وَالْوَسَائِلِ السِّلْمِيَّةِ الْمَشْرُوعَةِ.

فَلْنَعُدْ إِلَىٰ رَبِّنَا تَائِبِينَ مُنِيبِينَ، وَلْنُصْلِحْ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، وَلْنُحْسِنِ التَّعَامُلَ مَعَ خَلْقِهِ، وَلْنَقِفْ مَعَ الْمَظْلُومِينَ بِعَدْلٍ وَحِكْمَةٍ، عَسَىٰ اللَّهُ أَنْ يُصْلِحَ أَحْوَالَ أُمَّتِنَا، وَيَرُدَّ الْحُقُوقَ إِلَىٰ أَهْلِهَا، وَيَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ الْمُصْلِحِينَ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

Hermanos, vivimos en un mundo diverso por voluntad de Allah سبحانه وتعالى. Los pueblos, las lenguas y las culturas no existen para enfrentarnos, sino para conocernos, respetarnos, cooperar y construir juntos una sociedad mejor.

Los musulmanes en Occidente afrontamos retos importantes. Algunos se aíslan, desconfían de la sociedad y pierden la oportunidad de aportar positivamente. Otros, sobre todo algunos jóvenes, se alejan de su fe, de sus valores y de sus raíces, intentando copiarlo todo sin criterio; esto puede causar confusión, vacío espiritual y problemas familiares.

Debemos comprender que estas sociedades funcionan mediante leyes, instituciones y normas claras. La buena intención no basta: es necesario conocer las leyes, respetarlas, cumplir los compromisos y participar con responsabilidad. Aprender el idioma del país es esencial, porque permite comunicarse, conocer los derechos y deberes, acceder al trabajo y relacionarse correctamente con la sociedad.

El Islam no nos pide vivir aislados, sino ser una fuente de bien: ayudar a los demás, apoyar las causas justas y participar en la vida pública sin perder nuestra identidad. Debemos mantener una fe firme y, al mismo tiempo, una actitud abierta, equilibrada y respetuosa.

Los hechos de Ceuta, donde algunos jóvenes arriesgan la vida buscando un futuro mejor, reflejan una falta de esperanza, el desempleo, la desigualdad y la escasez de oportunidades. Sin embargo, la juventud no es un problema: con educación, justicia y participación real, puede convertirse en una fuerza positiva para el cambio.

La solución no está en huir ni en actuar movidos únicamente por la emoción, sino en formarse, trabajar, aprender el idioma, respetar las normas y participar responsablemente. Así, los musulmanes podremos ser un ejemplo de honestidad, respeto y beneficio para toda la sociedad.

Y no olvidemos a nuestros hermanos de Gaza ni a todos los oprimidos del mundo: debemos mantener viva su causa, ayudar mediante los medios legítimos y pacíficos, y defender la justicia y la dignidad humana. La solidaridad con los débiles forma parte de nuestra fe y de nuestra responsabilidad ante Allah سبحانه وتعالى.

Rabbana atina fi dunya hasanatan wa fil akhirati hasanatan wa qina adhab an-nar

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

المركز الإسلامي · Centro Islámico

خطبة الجمعة · Sermón del Viernes

Articulos Similares